محمد غازي عرابي
786
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
عددها الملايين لحنا خاصا يميزه عمن سواه وتعرفه أمه وتحفظه ، ومعلوم أن لكل إنسان صوته مثلما أن له وجهه وبصماته ، ففي الصوت سر الروح الأعظم الذي لا حد لإبداعه . وأصل الكلام تقليد أصوات الحيوانات أو تقليد أصوات الأشياء ذاتها كأن يقال حفيف الأوراق وزفيف الريح ، وقد كتبت علماء اللغة في هذا الموضوع المجلدات ، واللغة مجموعة قواعد يتعلمها الإنسان بطرق شتى منها المجتمع والمدرسة ، ومعلوم أيضا أن هذه القواعد لم توضع إلا في مرحلة متأخرة من حياة الإنسان ، وأن أبا الأسود الدؤلي مثلا هو الذي بدأ في وضع قواعد اللغة العربية في عهد الإمام علي ، كما أن الخليل بن أحمد الفراهيدي صنف بحور الشعر العربي ، بينما كان السماع فقط هو المعتمد في حفظ القواعد والبحور . والقواعد وبحور الشعر مبنية على السماع لا العكس ، فلقد كانت الأعراب تحفظ السماع وتتوارثه حتى أنها لا تغلط ولا تلحن وكانت بعض القبائل بخاصة مشهورة بالفصاحة حتى أن علماء اللغة كانوا يقصدونها للسماع منها . وبعد فما السماع ؟ إن علماء الموسيقى يدرسون لغات الحيوانات التي هي موسيقى أيضا كصهيل الخيل وخوار البقر وعواء الذئب ونباح الكلب ، فهذه الأصوات ذات موسيقى خاصة لا يمكن مخالفتها وإلا لما فهم الذئب الذئب والهر الهر والمهر الفرس . كذلك الإنسان لما تعلم تقليد الحيوانات تعلم بالتالي موسيقى جديدة ، هي موسيقى كل لغة من لغات الأرض ، فهذه اللغات بدأت التقليد ، ثم نمت بعد ذلك وتطورت عن طريق الحوار والدرس والتفكير ، فقام كل من الفكر والحدس في رفع قواعد بناء لغات العالم حتى بنيت هذه الصروح اللغوية من اللغات . ولقد تحدثنا عن دور القرآن في حفظ اللغة العربية من الضياع والتحريف والعامية كما حدث لمعظم اللغات القديمة ، وكذلك دور الحديث الشريف ، ولما كان القرآن والحديث سابقين على الزمن الذي وضعت فيه قواعد اللغة ، ولما كان كل منهما وحيا يوحى من قبل الروح فالنتيجة أن الروح هو مصدر لغات الأرض بل والعالم بدآ من موسيقى الأفلاك ومرورا بأصوات الحيوانات إلى لغات البشر ، ولقد تبين بعد دراسة القرآن أن له موسيقى خاصة ، موسيقى الكلمات والجمل ، وموسيقى ذاتية تنفعل لها النفوس فتهتز وتطرب ، فما الموسيقى الذاتية أو الموسيقى النفسية ؟ لنعد إلى الشعر الذي نظم وفق إيقاع خاص هو السماع ، وقلنا إن بحور الشعر لم تكتشف إلا في مرحلة متأخرة من وجود الشعر ، وأن الذي اكتشفها ، أو على الأصح وضعها وضعها